محمد متولي الشعراوي

3920

تفسير الشعراوى

مثنى أي اثنين اثنين ، وكل اثنين يقولان : هيا بنا نستعرض أمر هذا الرسول ونرى قضاياه : أهو كاهن ؟ . أهو ساحر ؟ . أهو شاعر ؟ فبين الاثنين لا يضيع الحق أبدا لأن كلّا منهما يناقش الآخر ، وحين يجلس اثنان للنقاش ، إذا انهزم منهما واحد أمام الآخر لا يفضح أمام الغير ، لكن حين يتناقش ثلاثة أو أربعة فكل منهم يخاف أن ينهزم أمام غيره ، ونجد كل واحد يدافع عن نفسه . ولذلك حين يجلس اثنان معا ليتناقشا ، ويبحثا أي أمر لا يخشى أحدهما الهزيمة ؛ لذلك يأتي الأمر من اللّه أن يقوموا للّه مثنى أو فرادى ، ويتذكر كل واحد منهم أمر هذا الرسول : أهو مجنون ؟ . إن أفعال المجنون وأعماله تكون متقطعة غير مستقيمة . ومحمد على خلق عظيم ، وهل يقال للمجنون : إنه على خلق عظيم ؟ ؛ لأن الإنسان منا لا يعرف كيف سيقابله المجنون ، أيضربه ، أيشتمه ، أيقطع له ملابسه ؟ . أمّا الخلق العظيم فمعناه الخلق المضبوط بالقيم ، وخلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مضبوط بالقيم حتى صار ملكة وليس أمرا افتعاليّا . وحين يقول الناس عن إنسان إن خلقه الكرم أي قد تأصلت فيه صفة الكرم تأصلا بحيث أصبحت تصدر عنه أفعال البذل بيسر وسهولة ، والصفة حين ترسخ في النفس تصير هي الخلق وتصدر عن النفس الأفعال بيسر وسهولة . وفي أعمال المعاني نسميها خلقا ، وفي أعمال المادة نسميها آلية . وكلنا يعرف أن الإنسان إن أراد أن يتعلم قيادة سيارة فهو يتعلم الأفعال التي تؤدى إلى سير السيارة حتى يكتسب المهارة ويؤديها بيسر وبدون صعوبة ، وكذلك الشأن في الخلق حين تصدر عنه الأفعال بدربة ومهارة ، ونجد - على سبيل المثال - من يتعلم الفقه ، فيسأله إنسان عن الحكم في الأمر المعين ، فيستعرض الأمر من كل أوجهه في وقت طويل ، لكن من يتدرب يصبح الفقه بالنسبة إليه ملكة ، فلا يتعب في استنباط الحكم . كذلك الخلق . ويوضح لهم الحق : أنتم تقولون عن الرسول : إنه مجنون ، فأجلسوا مثنى مثنى أو فرادى وادرسوا تصرفاته ستجدون أنها تصرفات منطقية مبنية على خلق كامل مكتمل ، وهو سلوك يختلف بالتأكيد عن سلوك المجنون ؛ لأن المجنون لا ضابط له في حركاته ولا في سكناته ولا فيما يأتي ولا فيما يدع . وكذلك لا يمكن أن يكون شاعرا ؛ لأنكم أنتم أهل شعر ، وكذلك ليس بكاهن ؛ فالكهنة قد يستبدلون بآيات